حقك
أن تعيش يومًا عاديًا بلا إنجاز استثنائي، وأن تسترد وقتك ممن يسرقه، وتختار من يخفف الحياة، وتمنح فرحك عمره كاملًا، ولا تحكم على كل ما تأخر بأنه ضاع
من حقك أن تعيش.
ومن حقك أن تختار.
ومن حقك أن تفرح.
ومن حقك أن تحب.
ومن حقك ألا تعتبر كل تأخر خسارة.
لكن ليس من حقك أن تضغط على قلبك حتى يصمت، ثم تسمّي صمته راحة.
______________________
كتب: عبدالله العميره
ليس مطلوبًا منك أن تستيقظ كل صباح لتغيّر العالم.
ولا أن تجعل من كل يوم مشروعًا، ومن كل ساعة إنجازًا، ومن كل لحظة فارغة فرصةً ضائعة.
من حقك أن تعيش يومًا عاديًا.
يومًا لا تحقق فيه رقمًا، ولا تبدأ عادةً جديدة، ولا تنتهي منه أكثر ثراءً أو شهرةً أو معرفة.
يكفي أن يمر بسلام.
لقد أقنعتنا الحياة الحديثة بأن قيمتنا فيما ننتجه، وأن الراحة مكافأة لا نستحقها إلا بعد التعب، حتى أصبح بعضنا يشعر بالذنب إذا جلس بلا عمل؛ كأن الإنسان آلة تعطلت حين توقفت، لا روحًا تستعيد نفسها.
لكن وقتك ليس كله للعمل.
وليس كله متاحًا لمن يطلبه، ولا ملكًا للتطبيقات التي تتنافس على انتباهك.
نفتح الهاتف لدقيقة، فنخرج منه بعد ساعة محمّلين بأخبار لم نبحث عنها، ومشاعر ليست لنا، وحياة أشخاص لا نعرفهم. وفي كل مرة نظن أننا نتصفح العالم، يكون العالم هو الذي يتصفح أعمارنا.
سرقة المال تظهر في الحساب.
أما سرقة الوقت، فلا يصلنا عنها كشفٌ في نهاية الشهر.
ومن حقك أن تغلق النافذة، لا لأنك تكره العالم، بل لأن لك حياةً تقع خارج الشاشة، وتستحق أن تراها بعينيك، لا من خلال عيون الآخرين.
وحين تسترد وقتك، يصبح من حقك أيضًا أن تختار الذين يدخلون هذه الحياة.
أجمل الناس ليسوا الذين يملؤون أيامك بالحكايات، ثم يتركون قلبك للقلق؛ بل الذين يملؤون قلبك بالفرح، وإن قلّ كلامهم.
قد لا يحل هؤلاء مشكلاتك، لكنهم لا يضيفون إليها مشكلة جديدة؛ وحين تخرج من لقائهم، تجد أن شيئًا فيك أصبح أخف.
وهؤلاء ليسوا كثيرين؛ لذلك لا تهدرهم وأنت تطارد حضورًا أعلى صوتًا وأقل طمأنينة.
ومن حقك أن تفرح بما لديك قبل أن يعلّمك الاعتياد أنه عادي.
فالإنسان ينتظر النعمة طويلًا، وحين تصل يفرح بها قليلًا، ثم يبدأ في عدّ ما ينقصها. يطارد بيتًا، فإذا سكنه انشغل بغرفة لم تكتمل. ينتظر نجاحًا، فإذا تحقق قارن نفسه بمن سبقه. ويتمنى قرب إنسان، فإذا اقترب اعتاد حضوره، ونسي كيف كان الغياب يؤلمه.
لا يعني الامتنان أن تتوقف عن الطموح.
بل أن تمنح ما تحقق حقه من الفرح، قبل أن تحوّله الرغبة التالية إلى تفصيل صغير.
فبعض النعم لا تحتاج إلى زيادة؛ تحتاج فقط إلى عين تراها كما رأتها أول مرة.
فالساعة تقيس ما يمضي من العمر، لا ما يمتلئ به.
السعادة لا تسكن ساعة، والعمر لا يُشترى بثمنها؛ والحب لا يُقاس بدقائق سقي الورد، بل بأثرٍ يجعل العمر نفسه مزهرًا.
ومن حقك، أخيرًا، ألا تعتبر كل تأخر خسارة.
ليست كل الأشياء التي لم تصل في موعدك قد ضاعت، وليست كل الأبواب التي أُغلقت كانت تقود إلى المكان الصحيح.
قد تتأخر فرصة لأنك لم تكن مستعدًا لها، أو يتأخر جواب حتى تهدأ حاجتك إليه، أو تبتعد أمنية ثم تعود بصورة أنسب لما أصبحت عليه.
ولا يعني ذلك أن كل تأخير خير؛ فبعض الانتظار موجع، وبعض ما يفوت لا يعود.
لكننا نظلم الحكاية حين نحكم على نهايتها من منتصفها.
أحيانًا لا يتغير الشيء الذي ننتظره؛ نحن الذين نتغير. وحين يصل، نجد أن النضج الذي صنعه الانتظار كان جزءًا من الهدية.
هذه حقوق صغيرة لا تكتبها القوانين:
حقك في يوم لا تبهر فيه أحدًا.
وحقك في وقت لا يستثمره سواك.
وحقك في أناس لا تحتاج إلى الحذر وأنت بينهم.
وحقك في فرح لا تعتذر عنه.
وحقك في ألا تسمي ما تأخر ضياعًا قبل أن ترى إلى أين يقودك.
فالحياة ليست امتحانًا متواصلًا لإثبات أنك تستحقها.
وأنت لا تحتاج إلى أن تكون أكثر إنتاجًا من الآلة، ولا أكثر حضورًا من الآخرين، ولا أسرع من الوقت.
يكفي أحيانًا أن تكون حاضرًا في حياتك.
فأبسط حقوقك ألّا يشغلك صنعُ حياةٍ ناجحة عن أن تعيشها.